الخميس، 31 يوليو 2014

ورحلت المرأة الحديدية !!


ورحلت المرأة الحديدية !!

مارجريت تاتشر

بقلم : عبد الفتاح نيازي 

أخيرا .. وبعد أن بلغت من العمر أرذله ، رحلت "المرأة الحديدية" مارجريت تاتشر عن عمر يناهز الثامنة والثمانين ؛ فقد ولدت في الثالث عشر من أكتوبر عام 1925 ، وتوفيت يوم الاثنين الثامن من أبريل عام 2013 ..


تولت رئاسة الوزراء في بريطانيا منذ العام 1979 وحتى العام 1990 فكانت بذلك أول امرأة بريطانية ترتقي لهذا المنصب ، ولقبت بالمرأة الحديدية ..

كانت حياة تاتشر تسير في اتجاه واحد لا تحيد عنه وهو السعي للوصول إلى أعلى المناصب السياسية ؛ فقد تم انتخابها نائبة في البرلمان عن دائرة "فينشلي" بشمال لندن في العام 1959 ، كما تولت العمل وزيرة للتربية ..

في أول ولاية لها ما بين عامي 1979 و 1983 تبنت حكومتها سياسة نقدية صارمة ، وألغت الرقابة على الأسعار ، وأدت سياستها إلى ارتفاع معدل البطالة ..

وقرب نهاية فترة ولايتها الأولى ، وبالتحديد في العام 1982 انشغل العالم بمشكلة جزر "الفوكلاند" الأرجنتينية الواقعة تحت سيطرة الإدارة البريطانية ، وهنا استعرضت المرأة الحديدية عضلاتها السياسية والعسكرية في أول اختبار لإرادتها وإدارتها خارج الحدود ؛ فبعد خلاف وجدل طويل بين إدارتي البلدين الأرجنتين وبريطانيا ، أعلنت الأولى بسط سيطرتها على الجزر القريبة من سواحلها ، فسارعت مارجريت تاتشر بإرسال القوات البريطانية في استعراض هائل للقوة لاستعادة تلك الجزر وفي ذهنها صورة بريطانيا العظمى التي لا تغرب الشمس عن ملكها ، ما أدى إلى اشتعال الحرب ووقوع خسائر كبيرة في الجانبين ، لكن قوات تاتشر حسمت الموقعة لصالحها ، واستسلمت الإدارة والإرادة الأرجنتينية للأمر الواقع ..

وفي العام الثاني من الولاية الثانية لتاتشر (سنة 1985) تخلى عمال المناجم في البلاد عن إضراب استمر عامًا كاملاً بعد أن رفضت تاتشر تعديل برامج مجلس الفحم الحجري القومي الخاصة بإغلاق المناجم ..

وفي العام نفسه وقعت حكومتها معاهدة مع الصين تعهدت بموجبها حكومة الصين بالحفاظ على نظام الاقتصاد الرأسمالي السائد في جزيرة "هونج كونج" الصينية ـ والتي كانت تحتلها بريطانيا ـ لمدة خمسين عاما بعد عودتها للسيادة الصينية عام 1997 ..

ويبدو أن عام 1985 كان بالنسبة لتاتشر عام المعاهدات والصفقات ؛ حيث عقدت مع حكومة المملكة العربية السعودية صفقة لتوريد أسلحة بريطانية لجيش المملكة اشتهرت باسم "صفقة اليمامة" والتي ثبت ـ بعد ذلك ـ تورط مارك تاتشر نجل المرأة الحديدية فيها ..

ومن الواضح أن الصلف والغرور الذي تميزت به تاتشر كان قد أعماها عن الحقيقة المؤلمة ؛ وهي أنها لم تعد تحتفظ بتأييد البريطانيين عامة ولا حتى بتأييد غالبية أعضاء حزب المحافظين ما أدى لهزيمتها في انتخابات زعامة الحزب في العام 1990 ليخلفها "جون ميجر" ..

وظلت تاتشر محتفظة بمقعدها في مجلس العموم البريطاني حتى العام 1992 ، وهو العام الذي منحت فيه لقب "بارونة" لتصبح عضوا في مجلس اللوردات ولتنحسر الأضواء عنها سريعا ..

هذه هي مارجريت تاتشر أول امرأة تتولى رئاسة مجلس الوزراء البريطاني وصاحبة أطول ولاية في هذا المنصب (11 عاما) بعد "روبرت بانكس جنكنسون" الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء البريطاني لمدة 15 عاما من 1812 حتى 1827 ، والذي خاضت بريطانيا في عهده حربا ضد الولايات المتحدة الأمريكية خسرت فيها 1600 من جنودها ، بينما خسرت الولايات المتحدة 2260 جنديا بالمقابل ..

وإلى لقاء قريب لنتحدث عن جانب آخر من جوانب حياة المرأة الحديدية لايعرفه كثير من الناس ، إن شاء ربنا وقدر وكان في العمر بقية !!


الأربعاء، 5 فبراير 2014

"وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى"

بقلم : عبد الفتاح نيازي
nafattah@gmail.com

توقفت طويلا عن الكتابة بسبب الأحداث الدامية التي تمر بها البلاد ، وراودتني فكرة الصمت الأبدي ، لأني تخيلت أني أؤذن في بورما ؛ فالحديث عن إصلاح التعليم باعتباره أساساً لصلاح وإصلاح الأمة وسط هذه الغمة يعد ضرباً من الجنون ، هكذا حدثتني نفسي الأمَّارة بالسوء ..

وأصابني الاكتئاب الذي أصاب معظم المصريين هذه الأيام من شدة الضربات الموجهة لقلب الأمة وسرعة تتابع الأحداث التي جعلتنا لانكاد نرفع رؤوسَنا ولايمكننا حتى أن نصرخ أو نتأوه ..
كل ما صار يراودني يقظةً ومناماً سؤال أراه مكتوباً على شاشة التلفاز ( مِصْرُ أَيْنَ ..؟ وَإِلَى أَيْنَ ..؟ )

وكلما انتقلت من قناة إلى أخرى لا أجد إلا العنف والحرائق والدم .. وصرت أُسائل نفسي وتسائلني : "أهذه مصر التي أعرفها ؟ أهذه مصر التي أهواها ؟ أهذه أمي وأمتي التي طالما احتوت جميع أبنائها بل وحتى الأغراب عنها ؟ كيف انحدرت مصر بأيدي أبنائها إلى هذه الهوة السحيقة ، وإلى هذا البئر المظلم ظلاما إذا أخرج المرء فيه يده لم يكد يراها ؟"..

ولكن جاءتني النجدة وأدركني لطف ربي حين طافت بمخيلتي السيرة العطرة لخير من مَشَى على الأرض سيدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا ، فرأيته وهو يقاسي الأمرين من تكذيب قومه له وعلى رأسهم عَمُّهُ الذي فرح بمولده فأعتق جاريته ، فلما جاءه الهدى والحق أنكر واستكبر وأدبر يسعى محارباً ابن أخيه الصادق الأمين ..

رأيته ـ بأبي هو وأمي ـ وقد أنهكه الحصار وهَدَّه الجوع مع السيدة خديجة الكبرى أم المؤمنين في شعب أبي طالب حتى أخرجه الله من محنته يوم أن أكلت الأرضة صحيفة قريش الظالمة ..

رأيته ـ نفسي وروحي فداه وفداء نعله ـ وقد أدميت قدماه الشريفتان والغلمان في الطائف يرجمونه بالحجارة حتى يرفع يديه إلى السماء وهو يعلم علم اليقين أن له رَبًّا يرى مقامه ويسمع كلامه ؛ فيناجيه بكلمات خالدات أبد الدهر : "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس .. أنت أرحم الراحمين ، أنت رب المستضعفين وأنت ربي .. إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتجهمني ، أم إلى عدو ملَّكته أمري ؟ إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي .. غير أن عافيتك هي أوسعُ لي .. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلُحَ عليه أمر الدنيا والآخرة أن يحِلَّ عليَّ غضبُك ، أو أن ينزلَ بي سَخَطُك .. لكَ العُتبَى حتى ترضَى .. ولا حول ولا قوة إلا بك"..

رأيته ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهويخرج من مكة التي وُلِدَ ونشأ بها وأحبها من كل قلبه ، وقد أخرجه الله من بين شباب قريش الأشداء الذين حاصروا بيته ليثبتوه أويقتلوه ليبدأ رحلته المباركة إلى مدينته التي نَوَّرَت بمقدمه إليها ، فوجد فيها عزوتَه وأنصارَه إلى الله ..

ورأيته ـ صلوات الله عليه ـ وهو يؤسِّسُ أعظم دولة في تاريخ البشرية ، وهو يُرَبِّي خير أمة أخرِجَت للناس ، وهو يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة ، وهو يُؤدِّبُ أعداءَه ، ويصلح بين أصحابه وأنصاره ويخرج من بينهم كوادر لقيادة الأمة من بعده على النهج القويم والصراط المستقيم ..

ورأيته وهو يعود لبلده الحبيب فاتحا منتصرا مُطَأطِئاً رأسه اعترافا منه بفضل ربه الذي استجاب دعاءه ؛ فما وَدَّعَهُ وما قَلَى ، ورفع له ذكرَه ، وقال له ـ وقد علم مدى اهتمامه بمستقبل أمته في الدنيا والآخرة ـ "وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى" ، فيقول ـ وهو الرؤف الرحيم ذو الخلق العظيم ـ "وعزتك وجلالك لا أرضى وواحد من أمتي في النار"..

وقبل أن استيقظ من سباتي فجر اليوم رأيتني جالسا في بيت من بيوت الله وقد تحلّقَ الناس بالمسجد حلقا وهم صامتون وكنت بين حلقتين منهما فرفعت صوتي فجأة مشيرا للناس أن رَدِّدُوا معي : "صَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" ..

وفتحت عينيَّ لأجدني وقد زال عني الاكتئاب وملأني الأمل والثقة بالله العظيم أن مصر ستخرج قريباً وشعبُها الأبيُّ من هذه المحنة ، وستتخطى هذه العقبة الكئود بفضل الله العظيم ، وببركة النبي الكريم وآل بيته الأطهار الأخيار الذين سكنوا أرض الكنانة فزادوها شرفاً إلى شرفها وأنواراً إلى أنوارها وكانوا على مدى الدهر أمنها وأمانها وعزها وبركتها ..

وتذكرت قصة سمعتها أنه أثناء الطوفان الذي انتقم الله به من الكافرين ، وبينما السفينة تبحر وعليها نوح وأُمَمٌ من الذين آمنوا معه ، وجد نوح ـ عليه السلام ـ الماءَ يغلي ويفور في بقعة معينة فاتجه إلى أمين الوحي سيدنا جبريل ـ عليه السلام ـ متسائلا : "ماهذا يا أخي ياجبريل ؟ فقال جبريل : "هذا مكان الأزهر الشريف بيت العلم في آخر الزمان" ..

والآن اطمأن قلبي وسعدت روحي وجاءتني البشارة الطيبة بأنه لاخوف على مصر ، ولاخوف على شعبها ؛ فرب السموات والأرض يرعاها بعينه التي لاتنام ، ويحفظها من فوق سبع سموات ويؤيدها وشعبَها بملائكته الكرام البررة ، ويُمَحِّصُهَا ليطرد الخبث منها ، ويُعِدُّهَا ليوم المعركة الكبرى التي سيكون النصرُ فيها حليفَ المؤمنين ليتحققَ قولُهُ ـ سبحانَه ـ "فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً".. صَدَقَ اللهُ العَظِيمُ ..

ولنا عودة إن شَاءَ رَبُّنَا وقَدَّرَ وكان في العمر بقية !!
 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منشور بجريدة "الرئيس" بتاريخ 8 أبريل 2013
http://elraees.com/abdelfatahneyazey/item/4119-%D9%88%D9%8E%D9%84%D9%8E%D8%B3%D9%8E%D9%88%D9%92%D9%81%D9%8E-%D9%8A%D9%8F%D8%B9%D9%92%D8%B7%D9%90%D9%8A%D9%83%D9%8E-%D8%B1%D9%8E%D8%A8%D9%8F%D9%91%D9%83%D9%8E-%D9%81%D9%8E%D8%AA%D9%8E%D8%B1%D9%92%D8%B6%D9%8E%D9%89.html

حتى لاننسى .. يوم المرأة المصرية

بقلم : عبد الفتاح نيازي
nafattah@gmail.com

يوم ١٦ مارس هو يوم المرأة المصرية ؛ يوم أن خرجت أول مظاهرة نسائية مكونة من 300 سيدة تقودهن السيدة / هدى شعراوي وطفن بالقنصليات والسفارات الأجنبية ببيان احتجاج على بقاء الاحتلال البريطاني لمصر ..

وقبل يومين من هذه المظاهرة الأولى من نوعها في تاريخ مصر ، وفي الرابع عشر من مارس سقطت أول شهيدة من سيدات مصر برصاص المحتل البريطاني ..

خرجت الشهيدة "حميدة خليل" على رأس مظاهرة نسائية من حي الجمالية تهتف بسقوط الاحتلال البريطاني ، وتطالب بعودة الزعيم المنفي سعد زغلول ..

وأمام مسجد الإمام الحسين كانت ملائكة الرحمن تنتظر لتزف الروح الطاهرة إلى جنة الخلد ؛ حيث انطلقت رصاصات الغدر البريطاني لتخترق الصدر المؤمن بربه وبوطنه وبعدالة قضيته .. شق الرصاص صدر السيدة "حميدة خليل" لتسقط أول شهيدة في ثورة 1919 ..

ولئن كانت "حميدة" أول شهيدة ، إلا أنها لم تكن الوحيدة ؛ فبعد استشهادها بأربعة أيام وفي حي بولاق سقطت السيدة "سعدية حسن" ، ثم تتالى سقوط الشهيدات المصريات ؛ فتبعتها شفيقة عشماوي وعائشة عمر وفاطمة رياض ونجية اسماعيل ..

ثم كانت المظاهرة النسائية الثانية في 20 مارس 1919 ما جعل المجتمع المصري ـ الذي كان يعتبر المرأة عورة لابد من سترها ـ يعترف بدور النساء حتى أن الزعيم سعد زغلول بعد عودته من المنفى يقول في أول خطاب له : "فلتصيحوا جميعا ، لتحيا السيدة المصرية" ..

ولاشك أن المرأة المصرية هي رمز للنضال والكفاح على مر العصور قديمها وحديثها حيث سجلت إنجازاتها بأحرف من نور في جميع المجالات .. وإذا كان التاريخ المزيف الذي ساهم المحتل البريطاني في كتابته قد أهمل وعتم على يوم 14 مارس الذي كان الشرارة لثورة المرأة المصرية ليس ضد المستعمر وحسب ، ولكن ضد كل الأفكار البالية التي كانت تعتبر المرأة وعاءا للإنجاب ليس إلا ، يسيطر عليها بكل جبروته "سي السيد" الذي يعطي نفسه مطلق الحرية والحقوق ، بينما يحرم زوجته وأم أولاده كما يحرم بناته من أبسط الحقوق الإنسانية وكأنهن لسن خلقا ممن خلق الله ..

لقد حرص المحتل الأجنبي البغيض وساعده من انساقوا وراء أكاذيبه وأباطيله على طمس الحقائق وتغييرها ؛ حيث أهملوا ذكر يوم 14 مارس الذي سقطت فيه أول شهيدة "السيدة حميدة خليل" ، وأهملوا ذكر من سقطن بعدها من الشهيدات ، وأختزلوا نضال المرأة المصرية في امرأة واحدة هي السيدة "هدى شعراوي" التي قادت يوم 16 مارس مظاهرة قوامها حوالي 300 سيدة من سيدات الطبقة العِلِّيوي حاملات معهن بيانا موجها للسفارات والقنصليات الأجنبية تنديدا بالاحتلال البريطاني لمصر ..

لقد تعامل المحتل والمتعاونون معه من رجال الشرطة مع النساء المتظاهرات من عامة الشعب أمام مسجد الإمام الحسين وفي حي بولاق وغيرها بالرصاص الحي ، بينما اكتفوا بمعاقبة سيدات الطبقة العِلّيوي بالوقوف في شمس الظهيرة لمدة ثلاث ساعات ..

واليوم وبعد ثورة الخامس والعشرين من يناير وخروج المرأة المصرية منذ اليوم الأول للثورة واستمرار نضالها حتى لحظة كتابة هذه السطور لايسعنا إلا أن نفتش في تاريخنا المضيئ العطر عن الخوالد من نساء مصر اللاتي لم ينصفهن أبناؤهن وأحفادهن لمجرد أنهن من عامة الشعب ، وجرى التعتيم المتعمد على تاريخهن النضالي حتى لا تجد بنات اليوم من قدوة لهن سوى فنانة أو مطربة أو راقصة ، بينما تاريخنا يزخر بنماذج نسائية بطولية عظيمة لا نظير لها في أي بلد من بلدان العالم ..

وإذا كنا نتذكر اليوم أول شهيدة في القرن العشرين فلا يمكن أن ننسى شهيدة مصر العظيمة القديسة دميانة التي وقفت وهي فتاة في ريعان الشباب تنافح عن دينها وإيمانها بالله الواحد الأحد ، وترفض الانقياد لكفر الحاكم دقلديانوس ومعها أربعون عذراء اخترن الحياة البتولية وعزفن عن مباهج الحياة الفانية رغم الثراء الفاحش ورغد العيش ، وتحملن كافة صنوف العذاب على أيدي زبانية دقلديانوس وآلات التعذيب الجهنمية حتى استشهدن جميعهن ، وسمي العصر الذي استشهدن فيه بعصر الشهداء ..

وإذا كنا نتذكر الشهيدة البتولية فلا يمكن لنا أن نغفل دور امرأة حكمت مصر لفترة وجيزة استطاعت خلالها بكل حكمة أن تقود البلاد إلى النصر على الغزاة ألا وهي السيدة شجرة الدر التي أخفت موت زوجها سلطان مصر الصالح نجم الدين أيوب حتى لايفت ذلك في عضد المجاهدين ضد الغزو الأجنبي المتستر وراء الصليب ..

وفي فترة ما بين موت السلطان الصالح أيوب ، ومجيء ابنه توران شاه ، وهي فترة تزيد عن ثلاثة أشهر ، نجحت شجر الدر بمهارة فائقة أن تمسك بزمام الأمور وتقود دفة البلاد وسط الأمواج المتلاطمة التي كادت تعصف بها ، ونجح الجيش المصري في رد العدوان الصليبي وإلحاق خسائر فادحة بالصليبيين ، وحفظت السلطنة حتى تسلمها توران شاه الذي قاد البلاد إلى النصر ..

تحية من سويداء القلب لكل سيدة وفتاة تفخر بمصريتها ، وأقول لهن : يحق لكنَّ أن تفخرن وأن تسعدن بكونكن مصريات حفيدات لشهيدات العصر الروماني "القديسة دميانة والعذارى الأربعين" والسيدة "شجرة الدر" الملقبة بعصمة الدين ، والشهيدات "حميدة خليل" وشفيقة عشماوي وعائشة عمر وفاطمة رياض ونجية إسماعيل وغيرهن من عامة الشعب ، وللسيدات هدى شعراوي وسيزا نبراوي والعالمة الفذة التي استشهدت واغتالتها يد الغدر لأنها أصرت أن تخدم وطنها مصر بعلمها أول عالمة ذرة مصرية سميرة موسى ..

هنيئا لمصر ولكل امرأة وفتاة مصرية بهذا الطابور الطويل من الشهيدات والمناضلات ؛ طابور له أول ولن يكون له آخر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منشور بجريدة "الرئيس" بتاريخ 17 مارس 2013
http://elraees.com/abdelfatahneyazey/item/3274-%D8%AD%D8%AA%D9%89-%D9%84%D8%A7%D9%86%D9%86%D8%B3%D9%89-%D9%8A%D9%88%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%A3%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D8%A9.html

لِمَنْ شَاءَ أَن يَدَّبَّرَ (3)

بقلم عبد الفتاح نيازي
nafattah@gmail.com

قلنا في المقال السابق من هذه السلسلة (لِمَنْ شَاءَ أَن يَّدَّبَّرّ) إن إصلاح المجتمع يبدأ بإصلاح التعليم ، وأوضحنا أن التعليم يبدأ منذ اللحظات الأولى في حياة الإنسان ، وقلنا إن الطفل هو آلة تسجيل شديدة الحساسية عالية الدقة ، وتكلمنا عن أخطر مرحلة تمر بالإنسان وهي مرحلة الرضاعة ، وكيف أن ظروف المعيشة وضغط الحاجة والعوز قد دفع معظم الأمهات أن يلقين بأطفالهن في شهورهم الأولى بين أيدي بلا قلوب في دور حضانة غير مجهزة تجهيزا سليما وأناس غير متخصصين وغير مدربين ، وأكدنا أن هؤلاء الأطفال الذين انتزعوا من أحضان أمهاتهم الدافئة الحنونة في هذه المرحلة المبكرة من عمرهم هم قنابل موقوتة سوف تنفجر حتما في وجه المجتمع يوما ما ..

وهناك مرحلة تلي مرحلة الحضانة وهي مرحلة رياض الأطفال التي صارت جزءا أساسيا في كل مدرسة ، وفي هذه المرحلة تكون المعلمات غالبا متخصصات ؛ حيث هناك كليات لرياض الأطفال تقوم بتخريج المتخصصات في هذا العمل ، ومعظمهن يقمن بعملهن بحب وتفانٍ وإخلاص ، إلا أن هناك عوار يصيب هذه المرحلة في مقتل ويهدد ـ إن لم يمحُ ـ براءة الأطفال .. هذا العوار هو وجود رياض الأطفال ضمن مؤسسة ومنظومة واحدة تضم رياض الأطفال والمرحلة الابتدائية ، وأحيانا تنضم إليهما المرحلتان الإعدادية والثانوية في المدارس المسماة افتراءا بالتجريبية والتي أصر على أنها (تخريبية) ..

إن وجود الأطفال اعتبارا من سن الرابعة في روضة أطفال مستقلة بعيدا عن تلاميذ المراحل الدراسية لهو أمر شديد الأهمية والضرورة للحفاظ على براءة هؤلاء الأطفال والتمكن من غرس القيم والمبادئ الصالحة في عقولهم ونفوسهم دون أن يفسد ذلك تدخل خارجي ، وأقصد بالتدخل الخارجي هذا الاختلاط بين أطفال مرحلة الروضة وتلاميذ الابتدائي والإعدادي بل والثانوي ، والذي يؤدي حتما ورغم أنف الجميع إلى أن يتشرب أطفال الروضة أخلاق وسلوكيات من هم أكبر منهم سِنًّا ؛ فيفقدون براءتهم ونقاءهم ويكبرون (قبل الأوان) .. لذا فإنني أعتبر أن مثل هذه المدارس الجامعة لكل المراحل أشبه ماتكون بمؤسسات الرعاية الاجتماعية للأحداث التي يدخلها الطفل ساذجا بريئا فيتحول داخلها ـ مع اختلاطه بمن يكبرونه ـ إلى منحرف سلوكيا أو شاذ فكريا ..

بناءا على ما تقدم فإنني أوصي بتعديل المنظومة بحيث يبقى طفل الروضة في روضته بعيدا عمن يكبرونه ليسعد بطفولته ويتعلم كريم الخصال والخلال بحيث ينتقل إلى المرحلة الابتدائية وقد ترسخت في نفسه وثبتت في عقله وروحه صفات الوداعة والمسالمة والمحبة للآخرين ولمجتمعه ووطنه ، ليبدأ مرحلة تربوية جديدة لها من الظروف والخصائص والأساليب التربوية والتعليمية ما يتناسب مع السن التي وصل إليها الطفل ..

ولهذه المرحلة (الابتدائية) حديث خاص أستأذن القارئ الكريم في إرجائه لمقال قادم إن شاء ربنا وقدر وكان في العمر بقية !!
ــــــــــــــــــــــــ
منشور بجريدة "الرئيس" بتاريخ 15 مارس 2013
http://elraees.com/abdelfatahneyazey/item/3261-%D9%84%D9%90%D9%85%D9%8E%D9%86%D9%92-%D8%B4%D9%8E%D8%A7%D8%A1%D9%8E-%D8%A3%D9%8E%D9%86-%D9%8A%D9%8E%D8%AF%D9%8E%D9%91%D8%A8%D9%8E%D9%91%D8%B1%D9%8E-3.html

لِمَنْ شَاءَ أَن يَدَّبَّرَ (2)

بقلم : عبد الفتاح نيازي

أستكمل اليوم ما بدأته قبل أسبوع من اليوم حول التصورات التي أرجو أن تكون سببا وسبيلا يمكن سلوكه للوصول إلى إصلاح أحوال المجتمع المصري الذي انفرطت حبات عقده اللؤلؤية وتدحرجت حباته فالتقط بعضها المتطرفون الدينيون ، والتقط البعضَ الآخرَ أصحاب الأهواء الفاسدة والأغراض الدنيئة ، والبعض وقع في يد محترفي السياسة واللعب بالألفاظ ؛ فانقسمت الأمة شيعا وجماعات وأحزابا كل حزب بما لديهم فرحون ..

وكما قلنا فإن الإصلاح لأي مجتمع ـ ناهيك عن مجتمعات الشرق ـ يبدأ من البيت والإنسان لايزال طفلا يحبو ويتتعتع في كلماته الأولى ، وأبواه هما اللَّذانِ يعلمانه ويأخذان بيده كي ينهض من عثراته ويُصَحِّحَانِ له نطقه كي يستقيم لسانه ..

فإذا آمن الوالدان بقول المعلِّم الأول صلَّى الله عليه وسلم :

" كُلُّكُمْ رَاعٍ ، وَكُلُّكُمْ مَسْئولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ "

فسيتولد في نفسيهما اليقين بأن هذه (النبتة) التي بين أيديهما أمانة يجب الحفاظ عليها ، وإحاطتها بكل وسائل الرعاية ، وإزالة الحشائش الضارة التي يمكن أن تفسد هذه النبتة أو أن تعوق نُمُوَّهَا نموا سليما ..

وإذا آمن الوالدان بقول الشاعر :

وَيَنْشَأُ نَاشِئُ الْفِتْيَانِ مِنَّا ... عَلَى مَا كَانَ عَوَّدَهُ أَبُوهُ

فَسَيُوْقِنَانِ خطورةَ ما يقومان به من تربية وتعليم وتغذية بدنية وروحية لفلذة كبدهما ، وسيحرصانِ على انتقاء ألفاظهما أمام طفلهما ، ويتأكدانِ أنهما أمام آلة تسجيل بشرية عالية الدقة سريعة الالتقاط لكل ماحولها والاحتفاظ به إلى الأبد ، وسيصبح كل منهما واعيا ومنتبها لتصرفاته ؛ فلا يكذب ، ولا يخلف وعدا قطعه على نفسه ، ولا يترك محتويات منزله مبعثرة دون تنسيق أو ترتيب ، ولا يصرخ الأب في وجه الأم أو العكس ، ولا ينفعلان على الطفل انفعالا لا مبرر له ، فإذا أخطأ الطفل خطأً يستوجب العقاب كانت العقوبة على قدر الخطأ دون إفراط أوتفريط ..

البيت أول مدرسة

اعتاد الناس في زمن الهوان أن ينوب عنهم الآخرون في تربية وتعليم أبنائهم ؛ فانتشرت دور الحضانة التي تستقبل الرُضَّعَ بعد بلوغهم ثلاثة أشهر وهي دور في الغالب الأعَمِّ غير مؤهلة لهذه العملية الخطيرة ، وما دمنا نبحث في سبل الإصلاح لمجتمعنا فلنعد إلى السبب الرئيس الذي يدفع الأم نبع الحنان ونهر الحُبِّ السلسبيل إلى أن تلقي بوليدها في أيامه الأولى بين أيدي غرباء لا يملكون ـ مهما بلغ حرصهم ـ ما تملكه الأم من مشاعرَ يتشربها الوليد من صدرها الدافئ الحنون ..

وهذا ـ في يقيني ـ أُسُّ البلاء وأصل كل الكوارث التي تصيب المجتمع ؛ فالطفل الذي يُنْتَزَعُ من صدر أمه في هذه السن ليتلقى رضاعة صناعية من يَدٍ بلا قلب ولا روح تتعجل انتهاءه من الرضاعة لتلقي به في مهده دون أن تَذُبَّ عنه الهوامَّ أو تربتَ على صدره برفق حتى يذهب عنه الرَوْعُ ، هذا الطفل هو ـ دون أدنى شك ـ مشروع قنبلة موقوتة تنتظر الساعة التي تنفجر فيها في وجه مجتمع ظلمه وحرمه من دفئ بيته وحنان أمه ورعاية أببه ..

إن ما يعانيه مجتمعنا هذه الأيام من مظاهر البلطجة وترويع الآمنين ـ حتى من أبناء يرتدون الزي المدرسي ويحملون حقائبهم على ظهورهم المُقَوَّسَةِ ـ لَهُوَ أمرٌ بالغُ الدِلالة على صدق ما أعتقده وأومن به من ضرورة إعادة النظر في المنظومة الجهنمية التي أخرجت المرأة من بيتها ـ تحت ضغط الحاجة المادية ـ وانتزعت منها فلذات أكبادها ، وحَوَّلَتْها إلى آلة تعمل بلا هوادة داخل وخارج بيتها ( وفي الخارج أكثر من الداخل ) ..

فنحن في أشد الحاجة لتغيير القوانين الفاسدة التي تعطي الأمَّ الوالدة ثلاثة أشهر ـ فقط ـ بمرتب ، ثُمَّ تخيِّرُها إِمَّا أن تعود إلى عملها بعد ذلك أو أن تطلب إجازة بدون مرتب ..

والحل ـ في عقيدتي ـ أن تعمل المرأة حتى إذا ما حملت انتبذت من عملها مكانا قَصِيّاً ترتاحُ فيه وتَقَرُّ عيناً مع استمرار صرف راتبها الشامل إيمانا واعتقادا راسخا بأنها في مأمنها تعمل عملا أخطر وأهم بكثير من عملها الوظيفي ؛ ألا وهو إنتاج وبناء إنسان سَوَيٍّ ينفع ولا يَضُرُّ ..

هذه خطوة أولى لابد من البدء بها ، وهي خطوة استراتيجية تحمل من الأهمية مايفوق بناء المصانع وتأسيس المؤسسات ..

ولنا لقاءات أخرى نستكمل من خلالها خطوات الإصلاح التكتيكية والاستراتيجية للمجتمع إن شَاءَ رَبُّنَا وَفَدَّرَ وَكَانَ في العُمْرِ بَقِيَّةٌ !!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
منشور بجريدة "الرئيس" بتاريخ 9 مارس 2013
http://elraees.com/abdelfatahneyazey/item/3015-%D9%84%D9%90%D9%85%D9%8E%D9%86%D9%92-%D8%B4%D9%8E%D8%A7%D8%A1%D9%8E-%D8%A3%D9%8E%D9%86-%D9%8A%D9%8E%D8%AF%D9%8E%D9%91%D8%A8%D9%8E%D9%91%D8%B1%D9%8E-2.html

لِمَنْ شَاءَ أَنْ يَدَّبَرَ (1)

بقلم : عبد الفتاح نيازي
nafattah@gmail.com

حين كان التعليم في مصر يقوم على غرس الانتماء وحب الوطن في نفوس المتعلمين منذ نعومة أظفارهم ، وحين كانت المناهج الموحدة في المدارس الرسمية والخاصة تتضمن تراجم لأبطال الأمة وسردا لأمجادها ، وحين كان أسلوب الثواب والعقاب هو السائد والساري على الجميع ، وحين كان الأب أو ولي أمر التلميذ يذهب إلى المدرسة ليشكو اعوجاج سلوك ابنه طالبا من المدرسة المساعدة على تقويمه ؛ فتقوم إدارة المدرسة بمعاقبة التلميذ على الملأ مع ذكر الأسباب ، وحين كان المعلم هو صاحب السيادة في المجتمع ينحني الجميع ويقومون له إجلالا وإكبارا مرددين :

قُمْ للمُعَلِّمِ وَفِّهِ التَبْجيلا ... كَادَ المُعَلِّمُ أَنْ يَكُونَ رَسُولا

في تلك الأيام الخوالي كانت الأمة على قلب رجل واحد ، ولم نكن نشاهد بلطجية يرتدون زي المدارس يقطعون الطرقات ، ويهاجمون مدارس البنات ، ويروعون الناس ، ويعتدون على المدرسين في مدارسهم ، ويحملون السلاح في لجان الامتحانات ، وكان الذي لايرغب في استكمال تعليمه يرسله أهله إلى إحدى الورش الصناعية ليتعلم مهنة يتقي بها شر البطالة والعوز ، وكان أصحاب المهن يرسلون أبناءهم إلى المدارس طوال العام الدراسي ، فإذا جاء وقت العطلة الصيفية اصطحب الأب الصانع أولاده معه إلى مصنعه أو ورشته ليورثهم مهنته فيشبوا مهنيين متعلمين ..

فلما استدار الزمان وتولى أمر التعليم من ليسوا من أهله ولا هم أهل له ، ولما انتشرت المدارس عالية المصروفات المسماة بالمدارس الدولية ، والتي لايدخلها إلا أبناء من يملكون الثروة والجاه ؛ تلك المدارس التي تدرس اللغات الأجنبية بكثافة ، وتقدم الثقافات الغريبة لأبنائنا عوضا عن ثقافتنا العربية الأصيلة ، ولما جاء وزراء للتعليم أهانوا المعلم تنفيذا لأجندات مدروسة بعناية لهدم أسس التعليم في مصر ، وانتشرت ثقافة (الضرب ممنوع) وصار الوزير (الوزر) يحض الطلاب علنا على الإبلاغ عن المعلم الذي يحمل العصا في المدرسة ، واستوردت كل المناهج الغريبة والأساليب العجيبة التي لاطائل من ورائها سوى شغل المعلم عن الإبداع في عمله ، ولم يعد ناظر أو مدير المدرسة أو الإدارة يُختارُ لكفاءته وإنما لولائه للنظام الحاكم وأصحاب المناصب السيادية ، لما حدث هذا كان لابد أن يفسد المجتمع وتختل القيم ويصبح المال صاحب السيادة ، واضطر المعلمون للجري لاهثين خلف الدروس الخصوصية ليسدوا حاجة بيوتهم وأبنائهم ؛ فضاعت هيبتهم وكرامتهم وعزتهم ، وصاروا مادة للسخرية في جميع وسائل الإعلام ، وتجرأ عليهم السفيه والوضيع فانهدمت المنظومة التعليمية كلها بانهدام عمودها الأساسي وهو المعلم ..

وإذا كنا نعاني اليوم ـ ويالشدة مانعاني ـ من انفلات أمني وأخلاقي وسياسي وإعلامي ، وإذا كان عقد وحدة الأمة قد انفرط وتدحرجت حباته فالتقط بعضها المتطرفون الدينيون ، والتقط البعضَ الآخرَ أصحاب الأهواء الفاسدة والأغراض الدنيئة ، وبعضها صار في يد محترفي السياسة واللعب بالألفاظ ؛ فانقسمت الأمة شيعا وجماعات وأحزابا كل حزب بما لديهم فرحون ، وقد أصم الكل آذانهم وأغمضوا أعينهم فما عاد أحد يسمع لأحد أو يرى أحدا سوى نفسه وأغراضه ، وما عاد للوطن في قلب أحد ـ إلا من رحم ربي ـ مكان ..

ورغم تلك القتامة التي تحيط بالصورة حتى تكاد أن تطمس معالمها ؛ فإنني على ثقة بأن هناك من يحمل كل الحب والإخلاص والولاء والانتماء لهذه الأرض الطيبة الحنون ، وأن هناك في كل مكان وكل مؤسسة ، بل وفي كل بيت وشارع وحارة من يفكرون في كيفية الخروج من المأزق الرهيب الذي يذهب بالألباب ويذهل العقول فيترك اللبيب حيرانا ، وهؤلاء هم الأمل في غد يستتب فيه الأمن ويسود السلام ربوع مصر من شمالها إلى جنوبها .. 

وإذا كنا كغيرنا من أبناء الوطن المخلصين نسعى للإصلاح ما استطعنا ؛ فإننا بحكم تخصصنا ومجال عملنا في التعليم العام نؤمن إيمانا لايتزعزع بأن الإصلاح الشامل لأحوال الأمة يبدأ من البيت ثم دور الحضانة حتى الجامعة مرورا بالمدارس بكل مراحلها ، وأن إصلاح المعلم هو لب العملية الإصلاحية كلها ، وأنه لابد من وضع خطط استراتيجية طويلة الأجل وأخرى تكيتيكية سريعة تمثل الإسعافات الأولية لإصلاح التعليم لايكون لأحد سلطان على اللعب في أية جزئية منها مهما كان شأنه ؛ خطط تبدعها عقول أبناء الأمة وليست مستوردة جاهزة من شرق أوغرب .. 

وللحديث بقية حول بعض التصورات التي نطرحها ـ كرجال تعليم أفنينا العمر في تهيئة وتنشئة الأجيال ـ من أجل نهضة أمتنا من كبوتها وعودتها لقيادة الأمتين العربية والإسلامية ولتسترد مكانتها تاجا للعلاء في مفرق الشرق إن شاء رب العالمين وقدّر !!
 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منشور بجريدة "الرئيس" بتاريخ 28 فبراير 2013
http://elraees.com/abdelfatahneyazey/item/2716-%D9%84%D9%90%D9%85%D9%8E%D9%86%D9%92-%D8%B4%D9%8E%D8%A7%D8%A1%D9%8E-%D8%A3%D9%8E%D9%86%D9%92-%D9%8A%D9%8E%D8%AF%D9%8E%D9%91%D8%A8%D9%8E%D8%B1%D9%8E.html


مرسي لايسمع سوى صوت مرشده

بقلم : عبد الفتاح نيازي
nafattah@gmail.com

من الواضح أن مرسي لا يسمع سوى صوت مرشده وأفراد جماعته ولا تهمه مصر ولا شعبها ؛ فهو لايرد على أحد حتى لو سَبَّهُ ولاتهتز مشاعره لما يراه من دماء وما يسمعه من صرخات الأمهات والزوجات الثكالى والأبناء الذين فقدوا آباءهم أو إخوانهم ، وبالتالي فإن كل من يحاول نصيحة مرسي إنما يؤذن في مالطة ..  
  
لذا دعوا مرسي يتحصن بقصره كما فعل سابقه ووجهوا أيها الناصحون نصحكم للمعارضة الشريفة أن توحد قواها وأن تتناسى الخلافات القائمة بين رموزها بل وأن تنسى تماما السعي للوصول إلى سدة الحكم ، وأن تعمل يدا بيد على أرض الواقع وبين الجماهير استعدادا لخوض انتخابات المجالس النيابية ، وأن يكون لديها برامج توعية قائمة على مناهج علمية لتنظيف العقول مما أصابها على يد أدعياء الدين الذين وصلوا إلى ما وصلوا إليه باستغلال البسطاء والسذج وحصد أصواتهم باسم تطبيق شرع الله ..

إن ما تقوم به قوى المعارضة لايعدو أن يكون تهريجا رخيصا أمام عقلية إخوانية ممنهجة تسير بخطى ثابتة لاترى ولاتسمع ولاتعي إلا أوامر مرشدها ؛ فلتجتمع كل قوى المعارضة دون استثناء بعد اجتماع رموزها لوضع برنامج عمل يقوم على أسس علمية منهجية تخاطب أبناء الأمة خطابا ينفذ إلى القلوب والعقول ، وأن يكون لهذه القوى تواجدا فعالا في الشارع المصري يجمع الشباب لتنفيذ برامج توعوية للناس تركز على نبذ العنف والاعتداء على المنشآت العامة والممتلكات الخاصة ، وتنأى عن مهاجمة رجال الشرطة والحرس الجمهوري ، فإذا ماتم ذلك تكشفت أمام أعين الجميع المؤامرة الرهيبة على الوطن وانكشف أولئك الساعون للخراب والدمار المتَخَفُّونَ في أثواب عدة ..

إن مصر أمانة في أعناقنا جميعا ، وسوف يأتي يوم نقف فيه أمام الحكم العدل ليسألنا عما فرطنا في حق هذا الوطن الرائع ؛ فليعمل كل منا في موقعه من أجل رأب الصدع ولم الشمل وحقن الدماء ، وليَقُمْ كل منا بعمل بَنَّاء يحسب له في تاريخ الأمة كما يوضع له في ميزان حسناته ، ولا تتأخروا لحظة عن المسارعة بتنفيذ ما ترجوه الأمة وإلا فإن مصر ستدخل في نفق مظلم لا يعلم أحد سوى الله كيف ومتى ستخرج منه وسيكون لون الدم هو اللون الغالب على حياتنا ..

اللهم هل بلغت .. اللهم فاشهد !!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منشور بجريدة "الرئيس" بتاريخ 6 فبراير 2013
http://elraees.com/abdelfatahneyazey/item/1982-%D9%85%D8%B1%D8%B3%D9%8A-%D9%84%D8%A7-%D9%8A%D8%B3%D9%85%D8%B9-%D8%B3%D9%88%D9%89-%D8%B5%D9%88%D8%AA-%D9%85%D8%B1%D8%B4%D8%AF%D9%87.html