الأربعاء، 5 فبراير 2014

"وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى"

بقلم : عبد الفتاح نيازي
nafattah@gmail.com

توقفت طويلا عن الكتابة بسبب الأحداث الدامية التي تمر بها البلاد ، وراودتني فكرة الصمت الأبدي ، لأني تخيلت أني أؤذن في بورما ؛ فالحديث عن إصلاح التعليم باعتباره أساساً لصلاح وإصلاح الأمة وسط هذه الغمة يعد ضرباً من الجنون ، هكذا حدثتني نفسي الأمَّارة بالسوء ..

وأصابني الاكتئاب الذي أصاب معظم المصريين هذه الأيام من شدة الضربات الموجهة لقلب الأمة وسرعة تتابع الأحداث التي جعلتنا لانكاد نرفع رؤوسَنا ولايمكننا حتى أن نصرخ أو نتأوه ..
كل ما صار يراودني يقظةً ومناماً سؤال أراه مكتوباً على شاشة التلفاز ( مِصْرُ أَيْنَ ..؟ وَإِلَى أَيْنَ ..؟ )

وكلما انتقلت من قناة إلى أخرى لا أجد إلا العنف والحرائق والدم .. وصرت أُسائل نفسي وتسائلني : "أهذه مصر التي أعرفها ؟ أهذه مصر التي أهواها ؟ أهذه أمي وأمتي التي طالما احتوت جميع أبنائها بل وحتى الأغراب عنها ؟ كيف انحدرت مصر بأيدي أبنائها إلى هذه الهوة السحيقة ، وإلى هذا البئر المظلم ظلاما إذا أخرج المرء فيه يده لم يكد يراها ؟"..

ولكن جاءتني النجدة وأدركني لطف ربي حين طافت بمخيلتي السيرة العطرة لخير من مَشَى على الأرض سيدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا ، فرأيته وهو يقاسي الأمرين من تكذيب قومه له وعلى رأسهم عَمُّهُ الذي فرح بمولده فأعتق جاريته ، فلما جاءه الهدى والحق أنكر واستكبر وأدبر يسعى محارباً ابن أخيه الصادق الأمين ..

رأيته ـ بأبي هو وأمي ـ وقد أنهكه الحصار وهَدَّه الجوع مع السيدة خديجة الكبرى أم المؤمنين في شعب أبي طالب حتى أخرجه الله من محنته يوم أن أكلت الأرضة صحيفة قريش الظالمة ..

رأيته ـ نفسي وروحي فداه وفداء نعله ـ وقد أدميت قدماه الشريفتان والغلمان في الطائف يرجمونه بالحجارة حتى يرفع يديه إلى السماء وهو يعلم علم اليقين أن له رَبًّا يرى مقامه ويسمع كلامه ؛ فيناجيه بكلمات خالدات أبد الدهر : "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس .. أنت أرحم الراحمين ، أنت رب المستضعفين وأنت ربي .. إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتجهمني ، أم إلى عدو ملَّكته أمري ؟ إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي .. غير أن عافيتك هي أوسعُ لي .. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلُحَ عليه أمر الدنيا والآخرة أن يحِلَّ عليَّ غضبُك ، أو أن ينزلَ بي سَخَطُك .. لكَ العُتبَى حتى ترضَى .. ولا حول ولا قوة إلا بك"..

رأيته ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهويخرج من مكة التي وُلِدَ ونشأ بها وأحبها من كل قلبه ، وقد أخرجه الله من بين شباب قريش الأشداء الذين حاصروا بيته ليثبتوه أويقتلوه ليبدأ رحلته المباركة إلى مدينته التي نَوَّرَت بمقدمه إليها ، فوجد فيها عزوتَه وأنصارَه إلى الله ..

ورأيته ـ صلوات الله عليه ـ وهو يؤسِّسُ أعظم دولة في تاريخ البشرية ، وهو يُرَبِّي خير أمة أخرِجَت للناس ، وهو يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة ، وهو يُؤدِّبُ أعداءَه ، ويصلح بين أصحابه وأنصاره ويخرج من بينهم كوادر لقيادة الأمة من بعده على النهج القويم والصراط المستقيم ..

ورأيته وهو يعود لبلده الحبيب فاتحا منتصرا مُطَأطِئاً رأسه اعترافا منه بفضل ربه الذي استجاب دعاءه ؛ فما وَدَّعَهُ وما قَلَى ، ورفع له ذكرَه ، وقال له ـ وقد علم مدى اهتمامه بمستقبل أمته في الدنيا والآخرة ـ "وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى" ، فيقول ـ وهو الرؤف الرحيم ذو الخلق العظيم ـ "وعزتك وجلالك لا أرضى وواحد من أمتي في النار"..

وقبل أن استيقظ من سباتي فجر اليوم رأيتني جالسا في بيت من بيوت الله وقد تحلّقَ الناس بالمسجد حلقا وهم صامتون وكنت بين حلقتين منهما فرفعت صوتي فجأة مشيرا للناس أن رَدِّدُوا معي : "صَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" ..

وفتحت عينيَّ لأجدني وقد زال عني الاكتئاب وملأني الأمل والثقة بالله العظيم أن مصر ستخرج قريباً وشعبُها الأبيُّ من هذه المحنة ، وستتخطى هذه العقبة الكئود بفضل الله العظيم ، وببركة النبي الكريم وآل بيته الأطهار الأخيار الذين سكنوا أرض الكنانة فزادوها شرفاً إلى شرفها وأنواراً إلى أنوارها وكانوا على مدى الدهر أمنها وأمانها وعزها وبركتها ..

وتذكرت قصة سمعتها أنه أثناء الطوفان الذي انتقم الله به من الكافرين ، وبينما السفينة تبحر وعليها نوح وأُمَمٌ من الذين آمنوا معه ، وجد نوح ـ عليه السلام ـ الماءَ يغلي ويفور في بقعة معينة فاتجه إلى أمين الوحي سيدنا جبريل ـ عليه السلام ـ متسائلا : "ماهذا يا أخي ياجبريل ؟ فقال جبريل : "هذا مكان الأزهر الشريف بيت العلم في آخر الزمان" ..

والآن اطمأن قلبي وسعدت روحي وجاءتني البشارة الطيبة بأنه لاخوف على مصر ، ولاخوف على شعبها ؛ فرب السموات والأرض يرعاها بعينه التي لاتنام ، ويحفظها من فوق سبع سموات ويؤيدها وشعبَها بملائكته الكرام البررة ، ويُمَحِّصُهَا ليطرد الخبث منها ، ويُعِدُّهَا ليوم المعركة الكبرى التي سيكون النصرُ فيها حليفَ المؤمنين ليتحققَ قولُهُ ـ سبحانَه ـ "فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً".. صَدَقَ اللهُ العَظِيمُ ..

ولنا عودة إن شَاءَ رَبُّنَا وقَدَّرَ وكان في العمر بقية !!
 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منشور بجريدة "الرئيس" بتاريخ 8 أبريل 2013
http://elraees.com/abdelfatahneyazey/item/4119-%D9%88%D9%8E%D9%84%D9%8E%D8%B3%D9%8E%D9%88%D9%92%D9%81%D9%8E-%D9%8A%D9%8F%D8%B9%D9%92%D8%B7%D9%90%D9%8A%D9%83%D9%8E-%D8%B1%D9%8E%D8%A8%D9%8F%D9%91%D9%83%D9%8E-%D9%81%D9%8E%D8%AA%D9%8E%D8%B1%D9%92%D8%B6%D9%8E%D9%89.html

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق